السيد محمد حسين فضل الله
13
من وحي القرآن
يحيط بالإنسان من جانبين ، فهناك الموت الذي يسبق الحياة ، وهناك الموت الذي يتعقبها ، وإذا كان الموت عدما ، فكيف يتعلق به الخلق الذي لا بد من أن يكون متعلقه محلّا للوجود ، وقيل : « إن الموت - على ما يظهر من تعاليم القرآن - انتقال من نشأة من نشآت الحياة إلى نشأة أخرى » « 1 » . ولكن الملحوظ : أن النشأة الأخرى ليست دخيلة في معنى الموت ، بل هي حياة تحدث بعده . وربما كان الوجه في هذا التعبير ، هو ملاحظة أسباب الموت المخلوقة في تكوين الذات الحيّة التي تؤدي إليه ، حتى كأنّه في ما يمثله من سكون الجسد وجمود الحياة فيه ، شيء عارض عليه ، على نحو التخييل الإيحائي . . . أمّا المعنى الحقيقي لخلق الموت ، فهو التقدير ، كما عبّر عن ذلك في قوله تعالى : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [ الواقعة : 60 ] . لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فقد جعل الحياة ساحة ابتلاء واختبار ليتسابق الناس إلى التحرك في نطاق المسؤولية ، ليقوموا بما كلفهم اللّه من الأعمال التي تبني لهم حياتهم على هدى اللّه ، في دائرة أوامره ونواهيه ، لتظهر بذلك النتائج النهائية التي تحدد الإنسان الأفضل ، من خلال العمل الأحسن . وفي الآية إيحاء داخليّ بأن على الناس أن تنطلق طموحاتهم العملية في حركة وجودهم المسؤول أمام اللّه ، ليكونوا أحسن عملا ، لينالوا بذلك القرب من اللّه ، لأن أكرمهم عنده أتقاهم له ، في ما تمثله الأفضلية في التقوى من الأحسنيّة في العمل . وقد جاء عن أبي قتادة - حسب ما جاء في مجمع البيان - « قال : سألت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن قوله تعالى : أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ما عنى به ؟ فقال : يقول : أيّكم أحسن عقلا ، ثم قال : أتمّكم عقلا وأشدّكم للّه خوفا وأحسنكم في ما أمر اللّه به
--> ( 1 ) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، لبنان ، ط : 1 ، 1411 ه ، 1991 م ، ج : 19 ، ص : 365 .